السيد علي الطباطبائي

25

رياض المسائل

وقد أساء كثير من الناس فهم التقية وتحاملوا على الشيعة بسببها ، ولو عرفوا منطلقات التقية وحدودها من مصادرها الصحيحة لم يجدوا بدا منها في هذه الفترة الدقيقة والصعبة من تاريخ الاسلام . وظاهرة رابعة في هذا الدور من ملامح المدرسة : تعيين موازين ومقاييس خاصة للاجتهاد والاستنباط من قبل أئمة أهل البيت عليهم السلام . فقد كان الرواة ينتقلون إلى مناطق بعيدة ، وتمس بهم الحاجة إلى معرفة أحكام الله ، ولا يجدون وسيلة للسؤال عن الإمام عليه السلام ، ولا يجدون نصا في المورد ، فوضع لهم أئمة أهل البيت عليهم السلام أصولا وقواعد خاصة للاستنباط والاجتهاد يستعرضها الفقهاء بتفصيل كالاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير ، وجملة من القواعد الفقهية كقاعدة الطهارة واليد والإباحة والحلية ، وما شاكل ذلك مما يعين الفقيه على الاجتهاد والاستنباط . وقد أسهب الفقهاء والأصوليون في شرح هذه القواعد والأصول بصورة وافية في كتب الفقه والأصول . ورغم ما تقدم فلم يكن هناك اجتهاد بالمعنى الذي نعرفه اليوم وإنما كان الناس يطلبون إلى الإمام أن يعين لهم مرجعا فيما يعرضهم من المسائل الشرعية ، فيعين لهم بعض أصحابه ممن يطمئن إليهم ، وممن سمع إلى حديثه ووعاه ، ولم تمس الحاجة إلى الاجتهاد أكثر من هذه الحدود بسبب معاصرة الإمام المعصوم وإمكان الاتصال به ولو في موسم الحج من كل سنة . فلم يتجاوز أصحاب الأئمة - عدا موارد قليلة ونادرة - نقل الحديث . والمجاميع الحديثية في غالب الأحوال لم تكن تجمع أبواب الفقه عامة ، أو تجمع كلما صح عن الإمام في هذا الباب أو في هذه المسألة . وربما يجوز لنا أن نقول : إن شيئا من المجاميع الحديثية التي دونت في هذا العصر لم يكن على هذا الغرار من استيعاب أبواب الفقه ، وما صح عن الإمام في كل باب ، فكانت الكتب والمدونات والأصول أشبه بمجموعات شخصية